العلامة عبدالعزيز بن عكاس
من روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين
(عبدالعزيز بن عمر بن عكاس) من عنيزة.
هو العالِم الجليل،
والورِعُ الزاهد، المُحقِّق الشيخُ عبدالعزيز بن عمر بن عبدالله بن عكاس،
ينتهي نسبُه إلى قبيلة سُبيع، القبيلة العدنانيَّة المعروفةِ بنجدٍ، كان
أجدادُه يسكنون في عنيزة، وفي عام 956هـ، رحَلوا منها إلى الأحساء، فطاب
لهم سُكناها، وتناسَلوا فيها، ووُلِد هذا العالِم بها سنة 1304هـ، وتربَّى
في بيت علمٍ وشرفٍ ودينٍ، فنشَأ نشأةً حسنة، وقرَأ القرآن وحَفِظه تجويدًا،
ثم حَفِظه عن ظهر قلبٍ، وشرَع في طلب العلم بهمَّةٍ عالية ونشاطٍ ومثابرة،
فقرَأ على عمه عيسى ولازَمه، وكان قاضيًا في الأحساء، وهو أكثر مشايخه
نفعًا له، وكان كاتبَه وقارئه، ولَم يُفارقه في طلب العلم حتى عام 1338هـ،
وقرَأ على القاضي بعده الشيخِ عبدِاللطيف بن عبدالرحمن الملاَّ الأحسائي،
فقيهِ الأحناف ومُفتيهم، كما قرأ على قاضيها الشيخ عبدِالله البشاوري،
ورحَل إلى الزبير، فقرَأ على علماء الحنابلة فيه، ومن أبرزهم: صالح بن حمد
المبيض، ومحمد بن عوجان، ورحل إلى مكة، فجاور فيها للتزوُّد والاستفادةِ من
العلم، ولازَم علماءَ المسجد الحرام، ومن أبرزهم: الشيخ أسعد دهان، والشيخ
عبدالرحمن دهان، وعمر حمدان، وأجازُوه بسند متَّصلٍ، وقرَأ بنجد على
علماءَ كثيرين، من أبرزهم: محمد بن محمود، قرَأ على مَن تقدَّم ذِكرُهم
أصول الدين وفروعَه، والحديث والتفسير، وعلوم العربية، ولازَمهم زمنًا؛ حتى
نبَغ في فنون عديدة، وكان زميلاً للخال الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع
على مشايخه في الغربة، ودامَت بينهما الصِّلة؛ حتى فرَّق بينهما الموت،
وكان ابنُ مانع يُثني عليه ثناءً حسَنًا؛ بِسَعة الاطلاع، ووفورِ العقل،
وقوَّة الفَهم، والاستقامة في الدِّين، ومنه اسْتَقيتُ معظمَ ترجمته، وكان
كثيرَ المطالعة جدًّا، وخصوصًا في الأُمهات في الحديث، وله اطلاع واسعٌ في
رجال الحديث، خصوصًا في رجال الصحيحين.
أعماله:
درَّس في المسجد الحرام زمنًا، وترجَم له عمر عبدالجبار ضمن مَن درَّسوا
في الحرم، وعيَّنه الملك عبدالعزيز قاضيًا في الجبيل، وكان أوَّل قاضٍ
فيها، وذلك عام 1339هـ، وظلَّ قاضيًا فيها ستَّ سنوات، مُسدَّدًا في
أقْضيته، محبوبًا بينهم، وله مكانة مرموقة عند الناس، وعند الولاة، وكان
حَسنَ التعليم والإشادة، فقد كان يطلب العلم على علماءِ الحرَم، ويُرشد
الناس، ويُعلِّمهم أمور دينهم، أدبار الصلوات في الحرَم، ويَلتفُّ إلى
حلقته خَلْقٌ، وكان داعيةَ خيرٍ ورشدٍ، ويُحب إصلاحَ ذات البين، وفي عام
سبعين من الهجرة انتُدِب مع لجنة لحلِّ مشاكل، وطلَب من الملك إعفاءه من
القضاء، وألَحَّ في ذلك، فأعْفَاه تورُّعًا منه، وخوفًا من غائلته، وفي عام
1373هـ صدَر الأمرُ الكريم بتعيينه رئيسًا لهيئات الأمر بالمعروف في
الأحساء، فقام بواجب الوظيفة خيرَ قيامٍ، وكان صدَّاعًا بكلمة الحق، لا
يخاف في الله لومة لائمٍ، وانتهى الإفتاءُ والتدريس إليه في الأحساء، وله
حواشٍ وتعليقاتٌ على الفقه والحديث ينقُلها عن تقرير مشايخه، ومما يمرُّ
عليه في مطالعته، وكلها لَم تُطبع، وكان شاعرًا وأديبًا بارعًا، ألَّف
أرجوزة في أصول الفقه الحنفي بطلبٍ من تلميذه الشيخ عبدالله ملاَّ، وامتدَح
شيخَه عبدَالعزيز بن عبداللطيف، برسالة بعَثها إليه، ومَطلع القصيدة:
|
ساطع الفِعل من علاك شهيدُ
إنك الدهر في تُقاك فريدُ
ما سبَرْنا صفاتِك الغرَّ إلا
وشهِدنا أنَّ الصباحَ خضيدُ
فاضلٌ كاملٌ أديب سريٌّ
لوْذعيٌّ حُلاحِل صنديدُ
|
وكان مؤرِّخًا،
وله اطِّلاعٌ في مهمَّات الحوادث، يقول محمد بن عبدالعزيز المانع: ما
احتجتُ إلى معرفة تاريخ حادثة، فاسْتفْهَمت عنها منه، إلاَّ ووجدتُ عنده
عِلمًا عنها، وكان يَعتمر في شهر رمضان كلَّ عامٍ، ويتَّصل يوميًّا على
صديقه وزميله ابن مانع، تجرَّد آخر عمره للعبادة وملازمةِ المسجد، فكان لا
يخرج منه، ويتهجَّد في الليل، ويُكثر التلاوة، وله في الأحساء لسانُ ذكرٍ
ومحبة مُصطبغة في قلوبهم، مَرِض عشرين يومًا، ووافاه أجَلُه المحتومُ
بالأحساء، مأسوفًا على فَقْده؛ لِما كان يتمتَّع به من أخلاقٍ عالية،
خلَّدت ذكراه، ولِما له من مآثرَ حسنة، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من سنة
1383هـ - رحمه الله برحمته الواسعة، وقد خلَّف أولادَه الثلاثة، وأكبرُهم
عبداللطيف، وبعده بسنة وفاة محمد حامد الفقي بالقاهرة، ثم ابنه الطيب.
المصدر: كتاب روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين
لمؤلفه محمد بن عثمان بن صالح بن عثمان القاضي بعنيزة
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/43591#ixzz2JuSooe77
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق